القاضي التنوخي
84
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
بعض أصحابه ، ودفع إليه تخوت ثياب فاخرة ، وطيبا ، وأشياء قيمتها خمسمائة دينار ، وأمره بحملها إلى خادم كان رئيس أولئك الخدم الذين سبّوه غدوة . وقال له : إقره السلام ، وقل له كنت راسلتني في أن أحكم لفلان بشيء ، لم تجز إجابتك إليه ، لأنّه لم يكن مذهبي ، ولا ممّا يجوز عندي في الحكم ، ولو عرضت على السيف لم أجب إلى محال في حكم ، فرددتك . فكان منك بالأمس ما لم يرض اللَّه به ، ولا قدح في شيء من أمرنا ، ولكنّي استدللت به على عتبك ، ووقع لي أنّ الرجل كان وعدك بشيء ساءك فوته ، وقد أنفذت إليك هذا - وضع الهدية بين يديه - وأحبّ أن تقبله ، وتعذرني . قال : فاغتظت منه ، وقلت في نفسي : يؤدّي جزية ، ويعطي مصانعة عن عرضه ، أيّ رأي هذا ؟ فمضى الرسول ، وافترقنا ، ما بدأني بشيء ، ولا بدأته به . فلما كان في الموكب الثاني ، صحبته ، فصعد من الطيّار ، وجلست على رسمي ، فإذا بأولئك الخدم ، وعدّة أكثر منهم ، وقد وقفوا له سماطين ، يقولون : يا عفيف ، يا نظيف ، يا مأمون ، يا ثقة ، يا جمال الإسلام ، يا تأريخ القضاة ، ويدعون له ، ويشكرونه ، حتى صعد من الطيار . وخدموه أحسن خدمة ، وهو ساكت على رسمه ، إلى أن دخل الدار ، ثم عند خروجه إلى أوّل ما نزل طيّاره . فتحيّرت مما رأيتهم عليه من التضادّ في الدفعتين ، مع قرب العهد . فلما استقررنا في الطيّار ، قال لنا أبو عمر : كأنّي بكم أنكرتم ما جرى منهم في ذاك الموكب ، قلتم : لو شكاهم إلى الخليفة ، فأمر بتأديبهم ، أليس كذا وقع لكم ؟